صيف بارد جداً رواية التفاصيل

الكاتب: روي ياكوبسن
ترجمة: عمرو محمود السيد
دار النشر: العربي للنشر والتوزيع
عدد الصفحات: 276

يصعب تصنيف هذه الرواية؛ البعض يعتبرها من أدب الفتية، والبعض الآخر يعتبرها رواية تاريخية تؤرخ لفترة الستينيات في النرويج، قبل اكتشاف البترول وازدهار اقتصادها، وذهب آخرون لتصنيفها ضمن أدب العائلة، وبما أن أبطال الرواية مروا بتغييرات نفسية كبيرة خلالها لم لا نقول أنها رواية نفسية أيضاً، دعونا نقول أنها رواية اجتماعية من الأدب الاسكندنافي.


في الترجمة العربية يُقال أن الراوي طفل عمره خمس سنوات، لكن لا تصدقوا هذا؛ لقد أعدت قراءة الرواية للتأكد من تفاصيل أعمار أبطالها، وحسب تقديري الراوي طالب في الثانوية، أي عمره في حدود السادسة عشر، يروي تفاصيل حكاية مرت به بينما كان في الثامنة إلى التاسعة من عمره.

حبكة الرواية:
بسيطة تستدرج القارئ بسلاستها، لكن عقدتها تنمو مع السرد لتصبح ثقيلة ومجهدة لذهنه، وحتى بعد أن يفككها الكاتب ببراعة استثنائية يُبقي أجواء نهاية الرواية مشحونة بالمشاعر والتساؤلات.

لغة السرد:
استخدم الكاتب لغة سرد وصفية مباشرة ومتسلسلة، ورسم من خلالها الزمان والمكان، موظفاً التقنيات البسيطة، لكنها مع ذلك شديدة الثراء بالتفاصيل النوعية؛ أدق التفاصيل ملقاه في سياقها الصحيح جداً؛ تملأ الفراغ المحدد لها تماماً، لترسم الصورة الكاملة لحياة الأسرة الصغيرة، والحي الذي تعيش فيه، ثم المدينة، ثم النرويج بأكملها في سياق زمني يظله عنوان كبير هو ستينيَّات القرن العشرين.

بساطة لغة السرد أعطت حيوية وسلاسة لتسلسل الأحداث، وتناسبت مع شخصية الراوي صغير السن مرهف الحس، فقد كان يعبر عن مشاعره بلا حواجز ويطرح تساؤلاته بلا مناورات، ومكنته أيضاً من نقل الأحداث والمشاعر، ورسم صور تفصيلية لتصوراته وأفكاره وهواجسه.

المحتوى:
الرواية متعددة الثيمات، حيث استطاعت التفاصيل الكثيرة التي رصدتها عين الفتى الذكي أن تلقي الضوء على كل جوانب حياة العائلة الصغيرة، والموضوعات التي تحوم حولها مشاعرهم وأفكارهم ومخاوفهم، من علاقة الابن بأمه، وغضبه من غموض تصرفاتها، للغيرة من الأخت غير الشقيقة، للخوف عليها، لغضب الطفل الذي بدأت المراهقة تدق أبواب عالمه بينما يكتشف أن أمه محط رغبة كل رجل تقع عيناه عليها، لأثر العنف ضد الأطفال، علاقات الأخوة.

بالنسبة لي كانت الثيمات الأبرز:

  • العنف ضد الأطفال بكل صوره نفسي وجسدي ومباشر وغير مباشر
  • التحولات الاجتماعية في النرويج فترة الستينيِّات.
  • تأثير الحالة النفسية على سلوك الأطفال في فترة الطفولة المتأخرة والمراهقة

الشخصيات:
تحتوي هذه الرواية على عدد كبير نسبياً من الشخصيات التي تم رسمها باحترافية، بقلم كاتب فذ، لدرجة أن معظمها تستحق التوقف والتأمل حتى ولو لم تكن شخصيات أساسية.

الشخصيات المحورية:

  • فين: الطفل الذي يخوض تجربة نفسية شديدة التعقيد في عمر مبكر، ويرسم صورة تفصيلية مذهلة لعوالمه المادية والشعورية والنفسية.
  • جريد: الأم التي عانت منذ طفولتها من أب متوحش كان يضربها وينكل بها، ثم من رجال خذلوها تباعاً بدءً من إخوتها الأكبر منها ومروراً بزوجها، ثم بالرجال الآخرين الذين كانوا يحاولون استغلالها بعد طلاقها.
  • ليندا: الأخت غير الشقيقة لفين، والتي رأت فيها جريد صورة منها في طفولتها، طفلة تُساء معاملتها، وتخذلها أمها المدمنة، بل وتعطيها دواء مهدئاً لتثبط حركتها، وتتهرب من متاعب العناية بها.

التفاعل بين هذه الشخصيات الثلاثة كان حجر الأساس في تطور الحبكة، وليندا، التي اعتبرتها جريد هدية قدرية جاءت لتصلح حياتهما، كانت أخفضها صوتاً وأكثرها أثراً في تحريك الأحداث.

الخلاصة:
الصيف الذي مر بارداً على أم وابنها، وشهد على فجوة عميقة في علاقتهما، خرج عن خط الزمن ليشكل حاجزاً نفسياً ممتداً بينهما، وشكل نقطة تحول في حياتهما وحياة من حولهما، صيف تغيرت فيه حياتهما لتصبح أسهل لكنها لم تصبح أجمل.

بقي شيء واحدٌ أود أن أقوله، وأنا أقرأ هذه الرواية تذكرت التغييرات الاجتماعية في مصر الثمانينيات كما كانت يظهر في الدراما والسينما، ثم خطر ببالي أن مجتمع غزة 2020 يمر حالياً بتغييرات اجتماعية مشابهة، على ما يبدو دخلت غزة القرن الحادي والعشرين متخفية!

سماهر الخزندار

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s