في غياب قصص الحب الأسطورية، كيف جعلت رواية الشفق تعايش قرائها مع علاقاتهم الواقعية أمراً محبطاً؟!

الكاتبة: ستيفاني ماير
ترجمة: الحارث النبهان
دار النشر: سما للنشر – المركز الثقافي العربي
عدد الصفحات: 487

رواية من أدب ما وراء الطبيعة والفنتازيا الرومانسية، يغلب عليها الطابع الرومانسي، وهو ما قد يبدو متناقضاً مع كونها قصة مصاصي دماء، يفترض أن يتجولوا في وقت الشفق بحثاً عن طرائد بشرية تروي ظمأهم المحموم للدماء، لكن معظمهم في هذه الرواية اختاروا أن يتعايشوا مع البشر واكتفوا بحمية “نباتية”، لتستطيع الكاتبة أن تبني حبكة القصة الرومانسية المستحيلة التي تدغدغ مشاعر ملايين القراء الرومانسيين، ثم تختم تطورها بظهور مصاصي دماء عدوانيون شرسون شرهون لن يخيبوا أمل ملايين من القراء الملوعين بقصص الإثارة والتشويق والرعب أيضاً.

حبكة الرواية دائرية متماسكة وجيدة البناء، تبدأ من مشهد في نهاية القصة بينما البطلة تواجه الموت، ثم تعود لتروي لنا الأحداث التي قادتها لهذا المشهد الذي يخطف الأنفاس، تتصاعد الأحداث تدريجياً لتصل ذروتها حين تصبح الفريسة في مواجهة الصياد، ولو لم تختر الكاتبة أن تقتبس بداية الرواية من نهاية روايتها لكانت الحبكة بسيطة بتسلسل زمني منتظم وإن كان تصاعدياً.

تدور أحداث الرواية في بلدة فوركس الباردة وقليلة السكان، حيث تنتقل بيلا لتعيش مع والدها، تاركة أمها في مكان أكثر دفئاً وازدحاماً. وهناك تتعرف على زميل لها في المدرسة وتنبهر به وبعائلته، لتكتشف لاحقاً أنه مصاص دماء. وتتطور بينهما قصة حب تواجه الكثير من التحديات وتضع كليهما في خطر شديد.

لغة السرد مثقلة بالعواطف والتفاصيل الوصفية، فقد رسمت الكاتبة صوراً حية لكل شيئ عبر عيني الراوية الشابة التي تتأمل كل ما تقع عليه عيناها، وتصفه بدقة معززة وصفها بمشاعرها وانطباعاتها، فكان من السهل أن يتخيل القراء الأماكن والألوان وحتى الروائح من حولها.

الحوارات طويلة نوعاً ما، وهناك إسهاب كان يمكن أن يتم اختصاره، لكنها أيضاً حملت نصيبها من خط الحبكة، وهو أمر سيحبه القراء الذين يفضلون روايات الرومانسية والفنتازيا.

الشخصيات: معظم شخصيات الرواية من الشباب الصغار، أو من يفترض بهم أن يكونوا كذلك، لأنهم ينقسمون ما بين بشريين ومصاصي دماء خالدين وكاملي الأوصاف.

الشخصية المحورية:

إزابيلا أو بيلا: بطلة الرواية والراوية لها، فتاة جميلة وذكية وذات شخصية هادئة، وتبدو أكثر نضجاً من زملائها في المدرسة الثانوية.

إدوارد: بطل الرواية زميل بيلا في المدرسة، والذي تكتشف لاحقاً أنه مصاص دماء نباتي (لا يتغذى على دماء الحيوانات بدلاً من دماء البشر) ذو قدرات اسطورية ومميزات خارقة، يعيش مع عائلته التي تندمج مع البشر متخفية.

تقييم الرواية:

الرواية قصة حب فنتازية بين مصاص دماء وبشرية. مستوى الحبكة ورسم الشخصيات فوق متوسط، لكن القصة بحد ذاتها حدوته خيالية خرافية، تفترض أن الإنسياق الأعمى وراء العاطفة يمكن أن يبرر المخاطرة الجنونية، من الجانبين، هي تخاطر بحياتها وحياة كل من تحب في كل لحظة، وهو يخاطر بكشف سره ويعرض نفسه وعائلته وجنسه للخطر.

قصة الحب المستحيلة في أساسها بين الوحش والفريسة، ثم ما يترتب عليها من تداعيات حين تظهر الفريسة في طريق وحوش آخرين!

هذه رواية متكاملة الاركان من الناحية الشكلية، يُقدم مضمونها رؤية أنثوية، لا تُعمم، عن شكل افتراضي لعلاقة “مثالية”، أن تجد المرأة من يحبها بلا مبرر منطقي، من هو مستعد للمخاطرة حرفياً بحياته من أجل حمايتها، من يشتهيها بشكل دائم، ولا يرى غيرها أمامه، رجل لا تحركه غريزته إلا نحوها هي، الشيء الذي يجعلها محط غيرة كل أنثى في حيز المعرفة -السطحية- للحدوتة!

إنها المشاعر شديدة الإغواء التي لا تتوفر إلا في القصص الخرافية، لكنها تستحوذ على خيال المراهقات حول العالم، ولا تفقد بريقها في قلوبهن حتى بعد أن يصبحن عجائز. استطاعت ماير أن تقدم النموذج المبهر للحدوتة التي تخطف الأنفاس، وحاولت أن تشير إلى أن هذا النوع من الرجال “أسطوري / خرافي” لكن صدقاً بعد قراءة شيء كهذا (ناهيك عن مشاهدته كفيلم) يصبح من الصعب على بعض النساء التصالح مع الواقع الذي لا يتيح لهن إلا هامش من العلاقات المبنية على المنفعة المتبادلة، تتوفر في القليل منها ميزات مثل الاحترام أو الإخلاص الحقيقي أو التحقق الشخصي.

الرجال في الواقع ليسوا سيئين، لكنهم طبيعيون، إنهم لا يحبون بهذا الشكل الأعمى، ولا يعبرون عن مشاعرهم بهذه الطريقة المبالغة، ولا يستطيعون في المجمل البقاء أوفياء لشريكة واحدة طوال الوقت، على الأقل ليس غريزياً، يحمي الرجال شريكاتهم على الأغلب من منظور سلطوى ذكوري أكثر منه عاطفي انسياقي، هناك رجال عاطفيون لكنهم يتصرفون كبشر في معظم المواقف.

لذلك قد لا يحب الرجال هذه الرواية كثيراً، ومع ذلك قد تكون قراءتها مهمة جداً لهم، وأنصح النساء اللواتي يقرأن الرواية، أو يشاهدن الفيلم، أن يتعاملن معها على أنها خرافة مثل خرافة سندريلا مثلاً، لا أقول أن بيلا وسيندريلا متشابهتان، لكن في الواقع لا وجود للأحذية السحرية، ولا للرجال الأبديين خارقي القوة والجمال والجاذبية والغنى، الذين يعشقون ويعلنون عشقهم كل ثلاثين ثانية، ويكبحون رغباتهم وشهواتهم حتى لا يلحقوا الأذى بمن يحبون، ثم يبقون على قيد الحياة فقط للحماية والوفاء بالوعود والغضب المستمر لكونهم مصدر خطر محتمل!

بالطبع هناك رجال ذوي تركيبات مختلفة فيهم بعض المزايا أعلاه، ويمكن تقبل بعض عيوبهم في المقابل، وليس من الصعب أبداً الوقوع في حبهم، لكونهم “عاديون” من حيث الشكل والقدرات والجاذبية، ما أعنيه لا يجب الانغماس في تمني علاقة كهذه، لأن النتيجة ستتراوح ما بين الاحباط والاكتئاب والسخط.

في الواقع، العلاقات الأسطورية لا تأتي بالحظ، العلاقات الأسطورية تُبنى على مر السنوات، والنساء المحظوظات هن اللاتي يعملن على علاقاتهن الواقعية ليجعلنها أسطورية!

سماهر الخزندار

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s