بنات الباشا: رواية تبدأ بانفجار وتنتهي بثورة

الكاتبة: نورا ناجي
دار النشر: أجيال للنشر والتوزيع
عدد الصفحات: 278

الكتاب عبارة عن رواية موزاييك، تتكون من تسع قصص، تشكل في مجملها خط قصة واحد يبدأ بانتحار الشخصية صاحبة القصة العاشرة والتي تعتبر الخيط الذي جمع جميع القصص وأخرج لنا الرواية. رواية ذات حدث محوري، تتزامن بدايته بانفجار في المدينة التي كانت مسرح الرواية، وتتكشف ملابساته في النهاية بإعلان ثورة شخصية في عقر دار “الباشا”.

حبكة الرواية:
مركبة تتكون من عدد من القصص؛ ومعقدة لا تعتمد خط زمني واحد، وإنما تنتقل بين فترات زمنية متعددة؛ ومتعددة الأصوات، حيث تروي كل قصة شخصية مستقلة ذات ماضي وتجارب مختلفة عن الأخريات.

لغة السرد:
استخدمت الكاتبة لغة فصحى بسيطة، وحوارها أيضاً كان بالفصحى وطعمت بعض الفقرات بكلمات من العامية وأحياناً كلمات معربة من الإنجليزية كما تُستخدم في العامية الدارجة في مصر، وبرغم أن بعض الكلمات كانت تحتاج بدائل أكثر قوة، وبرغم أن الإنتقال بين الماضي والحاضر تعثر أحياناً باستخدام فعل المضارع، الأكثر شيوعاً في كتابة تيار الوعي، فقد خفف كم المشاعر الذي استطاعت الكاتبة نقلها عبر مفرداتها من تأثير هذا التعثر.

بعض القصص كانت أقوى في صياغتها من غيرها، وهذا يدل على أن الكاتبة ربما كانت تطور إمكانياتها عبر الكتابة، وربما كان السبب تباين قدرة الكاتبة على تقمص الشخصيات، فاستطاعت صياغة الشخصيات التي أتقنت تقمصها بشكل أفضل من الشخصيات التي شكل تقمصها تحدي كبير لها.

الشكل والمحتوى:
هناك خط حبكة يمر عبر تسع قصص، يمثل القصة العاشرة وهي قصة انتحار نادية؛ في خلفية الأحداث هناك انفجار تم توظيفه لوضع إطار زمني للرواية، لا يجب المرور عليه مرور الكرام، فهذا الانفجار جاء في زمن عانت فيه البنية الاجتماعية المحيطة بالشخصيات من هزات مزلزلة على جميع المستويات الإقتصادية والسياسية والاجتماعية، ومثلت بيئة خصبة لنمو وترعرع الثروات التي انتعشت على أكتاف ضحايا الكساد والبطالة والانشقاقات السياسية والدينية، وهذه المؤثرات صنعت أو شاركت في صنع المآسي الصغيرة/الكبيرة لهذه الشخصيات.

المأخذ الواضح في طريقة بناء الحبكة وربط الشكل بالمحتوى، كان في عدم الاعتناء بتحديد شخصية نادية، فقد تم إعطاء صورة غير دقيقة عنها وعن الكيفية التي تقوم بها بامتصاص أحزان الأخريات، مع أنه يؤثر عليها بشكل مادي فتزداد التجاعيد في وجهها، حتى أن انقاذها لرجل زينب يتسبب لها بالعرج، وانقاذها للوسيندا يفقدها شعرها ويستبدل بشعر الطفلة الصغيرة المريضة، أي أنها امتصت مرض الطفلة أيضاً. ربما أرادت الكاتبة أن تحيطها بهالة من الغموض والفنتازيا، وهذا يحتاج للمزيد من التفاصيل.

في بداية الرواية يفهم القارئ أن نادية انتحرت لسبب يعرفه الباشا، ويزعجه أن منى أيضاً تعرفه، لكن عبر الأحداث لا يثبت أن منى أو الباشا يعرفان سبب انتحارها الحقيقي. وقد ماتت غارقة في حوض استحمام ومصفاة من الدم لكن دون الإشارة إلى شكل الطريقة الفعلية التي انتحرت بها.

أهم الشخصيات:
عشر بنات/نساء ورجل واحد تدور حوله معظم قصصهن، وتباين رسم الشخصيات من قصة لقصة كما تباينت قوة لغة السرد والصياغة، فبعض الشخصيات تم رسمها بحرفية عالية وبعضها كانت بالكاد متوسطة.
“بنات الباشا” العشر تعرضن لتجارب صادمة ومعظمهن عانين من تعنيف وانتهاكات مؤلمة، واستطاعت الكاتبة أن تبرز ألمهن وترسم شخصياتهن عبر بث عفوي وكاشف وجريء.
أما الباشا كشخصية ذكية واستغلالية ومبدعة، لكنها عديمة الإحساس والأخلاق، يبحث عن مصالحه ومتعته الشخصية بغض النظر عما قد يتسبب به من أذى للآخرين.

الزمان والمكان:
مدينة طنطا المصرية وهي مدينة تقع في دلتا النيل بين القاهرة العاصمة والإسكندرية الميناء الرئيسية، وهما أكبر وأهم مدينتين في مصر، في العام 2017 الذي شهد تعويم الجنية المصري في ذروة الاضرابات الأمنية والاقتصادية، والتي أدت إلى تداعيات زلزلت الفئات الاجتماعية الهشة، وتضاعفت في ظلها مستويات التحرش والاستغلال والعنف ضد النساء، مع ذلك لم تحمل الكاتبة هذه المرحلة، المسؤولية الكاملة عن مآسي بطلات روايتها، وإنما استخدمتها كخلفية للمشهد العام الذي يؤكد أن الانتهاك والعنف الموجه للمرأة كان تراكمياً ومبني على قناعات ومورثات فكرية منحرفة وظالمة.

المكان المخصص وارتباطه بشخصية الباشا ودوره في الرواية:
تدور معظم أحداث الرواية في مركز تجميل نسائي، استطاعت الكاتبة رسم بيئته بحرفية عالية، يملكه ويديره الباشا الذي يمثل فئة من الأغنياء الذين يبنون ثرواتهم ويضاعفونها باستغلال وانتهاك الفقراء (والنساء أكثر فئاتهم، القادرة على الانتاج، هشاشة) في أوقات الأزمات الاقتصادية الحرجة.

العنوان والغلاف:
الباشا كلمة تستخدم في العامية المصرية بدلالات كثيرة، في الماضي كانت تشير لمكانة اجتماعية أرستقراطية، لكن حالياً تشير هذه الكلمة للشخصيات ذات السلطة الأمنية أو السياسية أو المالية، واستخدامها هنا لم يأتٍ جزافاً، بل تم توظيفه بطريقة شديدة الذكاء.

الغلاف: كرت ملكة القلب (الكوبة في لعبة الورق)، الصورة في الأعلى لإمرأة واضحة وواثقة، وفي الأسفل لإمرة ممسوحة الوجه مكسورة القلب، وفي أعلى اليمين يطل الملك السباتي بكامل أنقاته ووسامته وفساد ذوقه.

يمكن ربط رمز الملكة بالمرأة بشكل عام وكيف تبدو شكلاً وقد حصلت على حقوقها وما تستحق من المكانة خاصة في البيئات الغنية/العليا، في حين أنها في الحقيقة مكسورة القلب ومنتهكة الحقوق بل ومسحوقة خاصة في البيئات الفقيرة/الدنيا، ويمكن أيضاً ربط الرمز بصاحبة الجلالة وهي السلطة الرابعة، التي قد تكون شكلاً حرة ومضموناً مقيدة وعاجزة عن تقديم صورة حقيقية عن حجم الانتهاكات التي تتعرض لها النساء والطبقات الفقيرة.

أما الباشا (الملك السباتي) فقد يرمز لاستغلال الإقطاعيين للفقراء وتشغيلهم بالسخرة وانتهاك حقوقهم بكل شكل ممكن، لأنه يمثل قوة الاقتصاد الزراعي في العصور الوسطى.

نقطة التنوير:

كان دور نادية مركزياً لأنه يربط الأحداث، فقد كانت المرشد الذاتي الذي تتمناه كل إمرأة وقد أرشدت بطلات الرواية عبر قصصهن، ولعبت معهن دور المعجزة التي تنقذ بعضهن من الانتحار من شدة اليأس والألم، ودفعت ثمن هذا راضية من عمرها وصحتها، لكنها دون علم منها، كانت أيضاً مسؤولة عن إعادة برمجة مشاعر بنات عالم “الباشا”، لإعادتهن لحالة الإنجاز والقيام بما عليهن، لتستمر حياته بالمضي قدماً ولتستمر ثروته بالتضخم والازدهار.

قامت نادية بهذا الدور بكل تفاني حتى كاشفتها زينب في نهاية الرواية بأن عليها أن تتوقف عما تفعل، عليها ألا تسكن آلام بنات الباشا، أخبرتها بأن عليها ألا تقف في وجه حقهن في الاحتجاج والغضب والخوف والانتقام، وعندما فهمت نادية أنها تقوم بما يخالف رسالتها قررت أن تنهى نفسها كمصدر لبقاء وقوة وازدهار وهيمنة “الباشا”، فنتحرت!

بنات الباشا رواية جريئة وكاشفة، وفكرتها إبداعية، وبنيتها المرتبطة بثيماتها المتعددة إسستثنائية؛ خاضت الكاتبة بجرأة كبيرة في حقول الشوك السردي لتقدم نماذج لشخصيات صعبة التقمص، ووضعت على الطاولة قضايا خلافية وشائكة مثل المثلية والختان والاستغلال والتحرش في أماكن العمل وداخل العائلة.

مع ذلك تحتاج هذه الرواية لإعادة التحرير والتدقيق في الطبعات القادمة لتصبح أقوى لغة ومضموناً.

سماهر الخزندار

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s